الرجاء والخوف

    شاطر
    avatar
    سوريا الله حاميها
    نائب المدير
    نائب المدير

    عدد المساهمات : 700
    نقاط : 1111
    السٌّمعَة : 53
    العمل/الترفيه : محاسب
    المزاج : رايق

    الرجاء والخوف

    مُساهمة من طرف سوريا الله حاميها في الإثنين 14 فبراير - 15:52

    الرجاء والخوف

    اعلم‏:‏ أن الرجاء والخوف جناحان، بهما يطير المقربون إلى كل مقام محمود، ومطيتان بهما يقطع طريق الآخرة كل عقبة كؤود، ولابد من بيان حقيقتهما وفضيلتهما وسببهما، وما يتعلق بذلك، ونحن نذكرهما في شطرين‏:‏

    الشطر الأول‏:‏ الرجاء‏.‏
    واعلم‏:‏ أن الرجاء من جملة مقامات السالكين وأحوال الطالبين، وإنما يسمى الوصف مقاماً إذا ثبت وأقام، فإن كان عارضاً سريع الزوال سمى حالاً، كما أن الصفرة تنقسم إلى ثابتة، كصفرة الذهب، وإلى سريعة، كصفرة الوجل، وإلى ما بينهما كصفرة المرض، وكذلك صفات القلب تنقسم إلى هذه الأقسام، وإنما سمى غير الثابت حالاً، لأنه يحول عن القلب‏.‏
    واعلم‏:‏ أن كل ما يلاقيك من محبوب أو مكروه ينقسم إلى موجود في الحال وإلى موجود فيما مضى‏.‏
    فالأول‏:‏ يسمى وجداً وذوقاً وإدراكاً‏.‏
    والثانى‏:‏ يسمى ذكراً وإن كان قد خطر ببالك شئ في الاستقبال، وغلب على قلبك، سمى انتظاراً وتوقعاً، فإن كان المنتظر محبوباً، سمى رجاء، وإن كان مكروهاً، سمى خوفاً‏.‏
    فالرجاء‏:‏ هو ارتياح لانتظار ما هو محبوب عنده، ولكن ذلك المتوقع لابد له من سبب حاصل، فإن لم يكن السبب معلوم الوجود ولا معلوم الانتفاء، سمى تمنياً، لأنه انتظار من غير سبب، ولا يطلق اسم الرجاء والخوف إلا على ما يتردد فيه، فأما ما يقطع به فلا، إذ لا يقال‏:‏ أرجو طلوع الشمس وأخاف غروبها، لأن ذلك مقطوع به عند طلوعها وغروبها، ولكن يقال‏:‏ أرجو نزول المطر وأخاف انقطاعه‏.‏
    وقد علم أرباب القلوب أن الدنيا مزرعة الآخرة، والقلب كالأرض، والإيمان كالبذر فيه، والطاعات جارية مجرى تنقية الأرض وتطهيرها، ومجرى حفر الأنهار ومساقى الماء إليها‏.‏
    وإن القلب المستغرق بالدنيا، كالأرض السبخة التي لا ينمو فيها البذر‏.‏
    ويوم القيامة هو يوم الحصاد، ولا يحصد أحد إلا ما زرع، ولا ينمو زرع إلا من بذر الإيمان، وقل أن ينفع مع خبث القلب وسوء أخلاقه، كما لا ينمو البذر فى الأرض السبخة‏.‏
    فينبغي أن يقاس رجاء العبد المغفرة برجاء صاحب الزرع، فكل من طلب أرضاً طيبة، وألقى فيها بذراً جيداً غير مسوس ولا عفن، ثم ساق إليها الماء فى أوقات الحاجة، ونقَّى الأرض من الشوك والحشيش وما يفسد الزرع، ثم جلس ينتظر من فضل الله تعالى دفع الصواعق والآفات المفسدة، إلى أن يتم الزرع ويبلغ غايته، فهذا يسمى انتظاره رجاء‏.‏
    فأما إن بذر فى أرض سبخة صلبة مرتفعة لا يصل إليها الماء ولم يتعاهدها أصلاً، ثم انتظر الحصاد، فهذا يسمى انتظاره حمقاً وغروراً، لا رجاء‏.‏
    وإن بث البذر فى أرض طيبة، ولكن لا ماء لها، وأخذ ينتظر مياه الأمطار،سمى انتظاره تمنياً لا رجاء‏.‏
    فإذن اسم الرجاء إنما يصدق على انتظار محبوب تمهدت أسبابه الداخلة تحت اختيار العبد، ولم يبق إلا ما ليس إلى اختياره، وهو فضل الله سبحانه، بصرف الموانع المفسدات، فالعبد إذا بث بذر الإيمان، وسقاه ماء الطاعات، وطهر القلب من شوك الأخلاق الرديئة، وانتظر من فضل الله تعالى تثبيته على ذلك إلى الموت، وحسن الخاتمة المفضية إلى المغفرة، كان انتظاره لذلك رجاءً محموداً باعثاً على المواظبة على الطاعات والقيام بمقتضى الإيمان إلى الموت، وإن قطع بذر الإيمان عن تعهده بماء الطاعات أو ترك القلب مشحوناً برذائل الأخلاق، وانهمك فى طلب لذات الدنيا، ثم انتظر المغفرة، كان ذك حمقاً وغروراً ‏.‏ قال الله تعالى ‏:‏‏{‏فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 169‏]‏ وذم القائل ‏:‏‏{‏ولئن رددت إلى ربى لأجدن خيراً منها منقلبا‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 36‏]‏‏.‏
    وروى شداد بن أوس، قال ‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ‏:‏‏"‏ الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله عز وجل الأماني‏"‏ ‏(‏
    وقال معروف الكرخى رحمه الله ‏:‏ رجاؤك لرحمة من لا تطيعه خذلان وحمق، ولذلك
    قال الله تعالى ‏:‏‏{‏إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا فى سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 218‏]‏‏.‏المعنى‏:‏ أولئك الذين يستحقون أن يرجوا، ولم يرد به تخصيص وجود الرجاء، لأن غيرهم أيضاً قد يرجو ذلك‏.‏
    واعلم‏:‏ أن الرجاء محمود، لأنه باعث على العمل، واليأس مذموم، لأنه صارف عن العمل، إذ من عرف أن الأرض سبخة، وأن الماء مغور، وأن البذر لا ينبت، ترك تفقد الأرض، ولم يتعب فى تعاهدها‏.‏
    وأما الخوف، فليس بضد الرجاء، بل رفيق له، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى‏.‏
    وحال الرجاء يورث طريق المجاهدة بالأعمال، والمواظبة على الطاعات كيفما تقلبت الأحوال، ومن آثاره التلذذ بدوام الإقبال على الله عز وجل، والتنعم بمناجاته، والتلطف فى التملق له، فإن هذه الأحوال لابد أن تظهر على كل من يرجو ملكاً من الملوك، أو شخصاً من الأشخاص، فكيف لا يظهر ذلك فى حق الله سبحانه وتعال‏؟‏ فمتى لم يظهر، استدل به على حرمان مقام الرجاء، فمن رجا أن يكون مراداً بالخير من غير هذه العلامات، فهو مغرور‏.‏
    1ـ فصل في فضيلة الرجاء
    روى فى “ الصحيحين” من حديث أبى هريرة رضى الله عنه، عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ قال الله عز وجل‏:‏ أنا عند ظن عبدى بي وفى رواية أخرى ‏"‏ فليظن بى ما شاء‏"‏‏.‏
    وفى حديث آخر من رواية مسلم‏:‏ أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال‏:‏ “ لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله‏"‏‏.‏
    وأوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام‏:‏ أحبنى، وأحب من يحبنى، وحببنى إلى خلقي‏.‏ قال‏:‏ يارب‏:‏ كيف أحببك إلى خلقك‏؟‏ قال‏:‏ اذكرني بالحسن الجميل، واذكر آلائي وإحساني‏.‏
    وعن مجاهد رحمه الله قال‏:‏ يؤمر بالعبد يوم القيامة إلى النار، فيقول‏:‏ ما كان هذا ظني فيقول‏:‏ ما كان ظنك‏؟‏ فيقول‏:‏ أن تغفر لى، فيقول‏:‏ خلو سبيله‏.‏

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء 12 ديسمبر - 12:18