تابع لرجاء والخوف

    شاطر
    avatar
    سوريا الله حاميها
    نائب المدير
    نائب المدير

    عدد المساهمات : 700
    نقاط : 1111
    السٌّمعَة : 53
    العمل/الترفيه : محاسب
    المزاج : رايق

    تابع لرجاء والخوف

    مُساهمة من طرف سوريا الله حاميها في الإثنين 14 فبراير - 16:03

    دواء الرجاء والسبب الذي يحصل به

    اعلم‏:‏ أن دواء الرجاء يحتاج إليه رجلان‏:‏
    إما رجل قد غلب عليه اليأس حتى ترك العبادة‏.‏
    وإما رجل غلب عليه الخوف حتى أضر بنفسه وأهله‏.‏
    فأما العاصي المغرور المتمني على الله مع الإعراض عن العبادة، فلا ينبغي أن يستعمل فى حقه إلا أدوية الخوف، فإن أدوية الرجاء تقلب فى حقه سموماً، كما أن العسل شفاء لمن غلبت عليه البرودة، مضر لمن غلبت عليه الحرارة‏.‏
    ولهذا يجب أن يكون واعظ الناس متلطفاً، ناظراً إلى مواضع العلل، معالجاً كل علة بما يليق بها، وهذا الزمان لا ينبغي أن يستعمل فيه مع الخلق أسباب الرجاء، بل المبالغة فى التخويف، وإنما يذكر الواعظ فضيلة أسباب الرجاء إذا كان مقصوده استمالة القلوب إليه، لإصلاح المرضى‏.‏
    وقد قال على رضى الله عنه‏:‏ إنما العالم الذي لا يقنط الناس من رحمة الله، ولا يؤمنهم مكر الله‏.‏
    إذا عرفت هذا، فاعلم أن من أسباب الرجاء، ما هو من طريق الاعتبار، ومنها ما هو من طريق الأخبار‏.‏
    أما الاعتبار، فهو أن يتأمل جميع ما ذكرناه من أصناف النعم فى كتاب الشكر، فإذا علم لطائف الله تعالى بعباده فى الدنيا، وعجائب حكمته التي راعاها فى فطرة الإنسان، وأن لطفه الإلهي لم يقصر عن عباده فى دقائق مصالحهم فى الدنيا، ولم يرض أن تفوتهم الزيادات فى الرتبة، فكيف يرضى سياقتهم إلى الهلاك المؤبد‏؟‏‏!‏ فإن من لطف فى الدنيا يلطف فى الآخرة، لأن مدبر الدارين واحد‏.‏
    وأما استقراء الآيات والأخبار، فمن ذلك قوله سبحانه وتعالى‏:‏ ‏{‏ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 53‏]‏‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن فى الأرض‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 4‏]‏‏.‏
    وأخبر تعالى أنه أعد النار لأعدائه، وإنما خوف بها أولياءه، فقال‏:‏ ‏{‏لهم من فوقهم ظلل من النار، ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 16‏]‏‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏واتقوا النار التي أعدت للكافرين‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 131‏]‏‏.‏ وقال‏:‏‏{‏فأنذرتكم ناراً تلظى* لا يصلاها إلا الأشقى* الذي كذب وتولى‏}‏ ‏[‏الليل‏:‏ 14-16‏]‏‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم‏}‏ ‏[‏ الرعد‏:‏ 6‏]‏‏.‏
    ومن الأخبار ما روى أبو سعيد الخدرى رضى الله عنه، قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول‏:‏ “إن إبليس قال لربه عز وجل‏:‏ بعزتك وجلالك، لا أبرح أغوى بنى آدم ما دامت الأروح فيهم‏.‏ فقال الله عز وجل‏:‏ فبعزتي وجلالى، لا أبرح أغفر لهم ما استغفروني ‏(1)‏‏.‏
    وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ “والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا، لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون فيغفر لهم” رواه مسلم‏.‏
    وفى “الصحيحين من حديث عائشة رضى الله عنها، أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال‏:‏ “ سدودا وقاربوا وأبشروا، فإنه لن يدخل أحداً الجنة عمله، قالوا‏:‏ ولا أنت يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ ولا أنا إلا أن يتغمدنى الله منه برحمته”‏.‏
    وفى “الصحيحين” من حديث أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه، عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال‏:‏ “ يقول الله عزل وجل يوم القيامة‏:‏ يا آدم‏:‏ قم فابعث بعث النار فيقول‏:‏ لبيك وسعديك والخير فى يديك‏.‏ يارب‏:‏ وما بعث النار‏؟‏ قال‏:‏ من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، فحينئذ يشيب المولود، ‏{‏وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وماهم بسكارى ولكن عذاب الله شديد‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏2‏]‏‏.‏ فشق ذلك على الناس، حتى تغيرت وجوههم، وقالوا‏:‏ يارسول الله‏!‏ وأينا ذلك الواحد‏؟‏ فقال صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ “من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون، ومنكم واحد” فقال الناس، حتى تغيرت وجوهم، وقالوا‏:‏ يارسول الله‏!‏ وأينا ذلك الواحد‏؟‏ فقال صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ الله أكبر‏.‏ فقال النبى صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ “ والله إنى لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة‏.‏ والله إنى لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة، والله إنى لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة‏.‏ فكبر الناس، فقال‏:‏ “ ما أنتم يومئذ فى الناس إلا كالشعرة البيضاء فى الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء فى الثور الأبيض”‏.‏
    فانظر كيف جاء بالتخويف، فلما أزعج جاء باللطف، ومتى اطمأنت القلوب إلى الهوى، فينبغي أن تزعج فإذا اشتد قلقها، ينبغي أن تسكن ليعتدل الأمر‏.‏
    وقال ابن مسعود رضى الله عنه‏:‏ ليغفر الله عز وجل يوم القيامة مغفرة لم تخطر على قلب بشر‏.‏
    وروى أن مجوسياً استضاف إبراهيم الخليل عليه السلام فلم يضفه وقال‏:‏ إن أسلمت، أضفتك، فأوحى الله تعالى إليه‏:‏ يا إبراهيم منذ تسعين سنة أطعمه على كفره فسعى إبراهيم عليه السلام خلفه، فرده وأخبره فى الحال، فتعجب من لطف الله تعالى‏.‏ فأسلم‏.‏
    فهذه الأسباب التي تجتلب بها روح الرجاء إلى قلوب الخائفين واليائسين‏.‏ فأما الحمقى المغرورون، فلا ينبغي أن يسمعوا شيئاً من ذلك، بل يسمعون ما سنورده فى أسباب الخوف، فإن أكثر الناس لا يصلحون إلا على ذلك، كعبد السوء الذي لا يستقيم إلا بالعصا‏.‏
    الشطر الثاني من الكتاب في
    ـ الخوف وحقيقته وبيان درجاته وغير ذلك
    اعلم‏:‏ أن الخوف عبارة عن تألم القلب واحتراقه بسبب توقع مكروه في الاستقبال‏.‏
    مثال ذلك، من جنى على ملك جناية، ثم وقع في يده، فهو يخاف القتل، ويجوز العفو، ولكن يكون تألم قلبه بحسب قوة علمه بالأسباب المفضية إلى قتله، وتفاحش جنايته، وتأثيرها عند الملك، وبحسب ضعف الأسباب يضعف الخوف‏.‏ وقد يكون الخوف لا عن سبب جناية، بل عن صفة المخوف وعظمته وجلاله، إذ قد علم أن الله سبحانه، لو أهلك العالمين لم يبال، ولم يمنعه مانع ، فبحسب معرفة الإنسان بعيوب نفسه، وبجلال الله تعالى واستغنائه، وأنه لا يسأل عمل يفعل، يكون خوفه‏.‏
    وأخوف الناس أعرفهم بنفسه وبربه، ولذلك قال النبى صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ “أنا أعرفكم بالله، وأشدكم له خشية”‏.‏
    وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إنما يخشى الله من عباده العلماء‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 28‏]‏ وإذا كملت المعرفة، أثرت الخوف، ففاض أثرت الخوف، ففاض أثره على القلب، ثم ظهر على الجوارح والصفات بالنحول والاصفرار والبكاء والغشى، وقد يفضي إلى الموت، وقد يصعد إلى الدماغ فيفسد العقل‏.‏
    وأما ظهور أثره على الجوارح، فبكفها عن المعاصي، وإلزامها الطاعات، تلافياً لما فرط، واستعداداً للمستقبل‏.‏
    قال بعضهم‏:‏ من خاف أدلج‏.‏
    وقال آخر‏:‏ ليس الخائف من بكى، إنما الخائف من ترك ما يقدر عليه‏.‏
    ومن ثمرات الخوف، أنه يقمع الشهوات، ويكدر اللذات، فتصير المعاصي المحبوبة عنده مكروهة، كما يصير العسل مكروهاً عند من يشتهيه إذ علم أن فيه سماً، فتحترق الشهوات بالخوف، وتتأدب الجوارح، ويذل القلب ويستكين، ويفارقه الكبر والحقد والحسد، ويصير مستوعب الهم لخوفه، والنظر في خطر عاقبته، فلا يتفرغ لغيره، ولا يكون له شغل إلا المراقبة والمحاسبة، والمجاهدة، والضنة بالأنفاس واللحظات، ومؤاخذة النفس فى الخطرات والخطوات والكلمات، ويكون حاله كحال من وقع في مخالب سبع ضار لا يدرى أيغفل عنه فيفلت، أو يهجم عليه فيهلكه، ولا شغل له إلا ما وقع فيه، فقوة المراقبة والمحاسبة بحسب قوة الخوف ، وقوة الخوف بحسب قوة المعرفة بجلال الله تعالى، وصفاته، وبعيوب النفس، وما بين يديها من الأخطار والأهوال‏.‏
    وأقل درجات الخوف مما يظهر أثره فى الأعمال، أن يمنع المحظورات، فإن منع ما يتطرق إليه إمكان التحريم، سمى ورعاً، وإن انضم إليه التجرد والاشتغال بذلك عن فضول العيش، فهو الصدق‏.‏
    ـ فصل ‏[‏ الخوف سوط الله تعالى‏]‏
    اعلم‏:‏ أن الخوف سوط الله تعالى يسوق به عباده إلى المواظبة على العلم والعمل، لينالوا بهما رتبة القرب من الله تعالى‏.‏
    والخوف، له إفراط، وله اعتدال، وله قصور‏.‏
    والمحمود من ذلك الاعتدال، وهو بمنزلة السوط للبهيمة فإن الأصلح للبهيمة أن لا تخلو عن سوط، وليس المبالغة في الضرب محمودة ولا التقاصر عن الخوف أيضاً محمود، وهو كالذي يخطر بالبال عند سماع آية، أو سبب هائل، فيورث البكاء، فإذا غاب ذلك السبب عن الحس، رجع القلب إلى الغفلة، فهو خوف قاصر قليل الجدوى، ضعيف النفع، وهو كالقضيب الضعيف الذي يضرب به دابة قوية فلا يؤلمها ألماً مبرحاً، فلا يسوقها إلى المقصد، ولا يصلح لرياضتها، وهذا هو الغالب على الناس كلهم، إلا العارفين والعلماء، أعنى العلماء بالله وبآياته، وقد عز وجودهم‏.‏ وأما المرتسمون برسوم العلم، فإنهم أبعد الناس عن الخوف‏.‏
    وأما القسم الأول، وهو الخوف المفرط، فهو كالذي يقوى ويجاوز حد الاعتدال حتى يخرج إلى اليأس والقنوط، فهو أيضاً مذموم، لأنه يمنع من العمل، وقد يخرج المرض والوله والموت، وليس ذلك محموداً، وكل ما يراد لأمر، فالمحمود منه ما يفضي إلى المراد المقصود منه، وما يقصر عنه أو يجاوزه، فهو مذموم، وفائدة الخوف الحذر، والورع، والتقوى، والمجاهدة والفكر، والذكر، والتعبد وسائر الأسباب التي توصل إلى الله تعالى، وكل ذلك يستدعى الحياة، مع صحة البدن وسلامة العقل، فإذا قدح في ذلك شىء، كان مذموماً‏.‏
    فإن قيل‏:‏ فما تقول فيمن مات من الخوف‏؟‏
    فالجواب‏:‏ أنه ينال لموته على تلك الحال مرتبة لا ينالها لو مات من غير خوف، إلا أنه لو عاش وترقى إلى درجات المعارف والمعاملة، كان أفضل، فإن أفضل السعادة طول العمر فى طاعة الله تعالى، فكل ما أبطل العمر والعقل والصحة فهو نقصان وخسران‏.‏

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين 20 نوفمبر - 22:43