في القدر الكفاية في الزهد والفقر

    شاطر
    avatar
    سوريا الله حاميها
    نائب المدير
    نائب المدير

    عدد المساهمات : 700
    نقاط : 1111
    السٌّمعَة : 53
    العمل/الترفيه : محاسب
    المزاج : رايق

    في القدر الكفاية في الزهد والفقر

    مُساهمة من طرف سوريا الله حاميها في الإثنين 14 فبراير - 16:25

    بيان تفصيل فيما هو من ضروريات الحياة

    والضروريات المهمات سبعة أشياء‏:‏ المطعم، والملبس، والمسكن، وأثاثه، والمنكح، والمال، والجاه‏.‏

    فأما الأول‏:‏ وهو المطعم فاعلم أن همة الزاهد منه ما يدفع به الجوع مما يوافق بدنه من غير قصد الالتذاذ‏.‏وفى الحديث‏:‏ ‏"‏ إن عباد الله ليسوا بالمتنعمين‏"‏‏.‏ وقالت عائشة رضى الله عنها لعروة ‏:‏ كان يمر بنا هلال، وهلال، ما يوقد في بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نار‏.‏ قال‏:‏ قلت‏:‏ يا خالة‏:‏ فعلى أي شئ كنتم تعيشون‏؟‏ قالت ‏:‏ على الأسودين‏:‏ الماء والتمر‏.‏والأحاديث في ذلك كثيرة مشهورة‏.‏وقد كان كثير من الزهاد يخشنون المطعم، وكان فيهم من لا يطيق ذلك ، فكان الثوري حسن المطعم، وربما حمل في سفرته اللحم المشوي والفالوذج‏.‏ وفى الجملة فالزاهد يقصد ما يصلح به بدنه، ولا يزيد في التنعم، إلا أن الأبدان تختلف، فمنها ما لا يحمل التخشن‏.‏وقد يدخر بعض الناس الزاد الحلال بتقوته، فلا يخرجه ذلك من الزهد، فقد كان السبتي يعمل من السبت إلى السبت ويتقوته‏.‏وورث داود الطائى عشرين ديناراً، فأنفقها في عشرين سنة‏.‏
    الثاني‏:‏ الملبس، فالزاهد يقتصر فيه على ما يدفع الحر والبرد، ويستر العورة، ولا بأس أن يكون فيه نوع تجمل، لئلا يخرجه التقشف إلى الشهرة‏.‏ وكان أكثر لباس السلف خشناً، فصار لبس الخشن شهرة‏.‏وقد روى عن أبى بردة قال‏:‏ أخرجت إلينا عائشة رضى الله عنها كساء ملبداً، وإزاراً غليظاً، وقالت ‏:‏ قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذين‏.‏ أخرجاه في ‏"‏الصحيحين‏"‏
    وعن الحسن قال ‏:‏ خطب عمر رضى الله عنه وهو خليفة، وعليه إزار فيه اثنتا عشرة رقعة‏.‏
    الثالث‏:‏ المسكن، فللزاهد فيه ثلاث درجات‏.‏
    أعلاها‏:‏ أن لا يطلب موضعاً خاصاً لنفسه، بل يقنع بزوايا المساجد، كأصحاب الصفة،وأوسطها‏:‏ أن يطلب موضعاً خاصاً لنفسه، مثل كوخ في سعف، أو خص وما أشبه ذلك‏.‏وأدناها‏:‏ أن يطلب حجرة مبنية‏.‏ ومتى طلب السعة وعلو السقف، فقد جاوز حد الزهد في المسكن‏.‏ وقد توفى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يضع لبنة على لبنة‏.‏قال الحسن‏:‏ كنت إذا دخلت بيوت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، نلت السقف‏.‏وفى الحديث‏:‏ ‏"‏ إن المسلم ليؤجر في كل شئ ينفقه إلا في شئ يجعله في هذا التراب‏"‏‏.‏وقال إبراهيم النخعى رحمه الله ‏:‏ إذا كان البنيان كفافاً، فلا أجر ولاوزر‏.‏
    وفى الجملة ‏:‏ إن كل ما يراد للضرورة فلا ينبغي أن يجاوز حد الزهد‏.‏
    الرابع‏:‏ أثاث البيت، فينبغي للزاهد أن يقتصر فيه على الخزف، ويستعمل الإناء الواحد في مقاصده، فيأكل في القصعة، ويشرب فيها، ومن خرج إلى كثرة العدد في الآلة، أو في نفاسة الجنس، خرج عن الزهد‏.‏ولينظر إلى سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ‏.‏ ففى‏"‏ صحيح مسلم‏"‏ من حديث عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال ‏:‏ دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو مضطجع على حصير، وإذا الحصير قد أثر على جنبه، فنظرت في خزانة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا أنا بقبضة من شعير، نحو الصاع‏.‏ وفى رواية البخاري ‏:‏ فوالله ما رأيت شيئاً يرد البصر‏.‏ والحديث مشهور في ‏"‏صحيح مسلم‏"‏‏‏وقال على رضى الله عنه ‏:‏ تزوجت فاطمة وما لى ولها فراش إلا جلد كبش، كنا ننام عليه بالليل، ونعلف عليه الناضح بالنهار، ومالي خادم غيرها، ولقد كانت تعجن، وإن قصتها ‏(3) لتضرب حرف الجفنة من الجهد الذي بها‏.‏ ودخل رجل على أبى ذر رضى الله عنه، فجعل يقلب بصره في بيته، فقال‏:‏ يا أبا ذر‍‍‍‍? ما أرى في بيتك متاعاً، ولا أثاثا‏.‏ فقال‏:‏ إن لنا بيتاً نوجه إليه صالح متاعنا‏.‏ فقال‏:‏ إنه لا بد لك من متاع ما دمت هاهنا، فقال‏:‏ إن صاحب المنزل لا يدعنا فيه‏.‏
    الخامس‏:‏ المنكح ، لا معنى للزهد في أصل النكاح، ولا في كثرته‏.‏
    قال سهل بن عبد الله‏:‏ حبب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم النساء‏.‏وكان على رضى الله عنه من أزهد الصحابة، وكان له أربعة نسوة، وبضع عشرة سرية‏.‏
    وكان أبو سليمان الدارانى يقول‏:‏ كل ما شغلك عن الله، من أهل، ومال، وولد، فهو مشؤوم‏.‏
    وكشف الغطاء عن ذلك أن نقول‏:‏ من غلبت عليه شهوته وخاف على نفسه، تعين عليه النكاح، فأما من لا يخاف، فهل النكاح في حقه أفضل أو التعبد‏؟‏ فيه اختلاف بين العلماء‏.‏ والناس مختلفون فيه منهم من يقصد النكاح لطلب النسل ويمكنه الكسب الحلال للعائلة، فلا يقدح ذلك في دينه، ولا يتشتت قلبه، بل يجمع النكاح همه، ويكف بصره، ويرد فكره ، فهذا غاية في الفضيلة، وعليه يحمل حال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وحال على رضى الله عنه ،ومن جرى مجراهما، ولا التفات إلى قول من يرى الزهد بترك الالتذاذ بالنكاح، فإن ذلك يقع ضمناً وتبعاً للمقصود‏.‏وقد كان بعض السلف يختار المرأة الدون على الجميلة، وذلك محمول على أن تلك تكون إلى الدين أميل، والنفقة عليها أقل، والاهتمام بأمرها يسير، بخلاف المستحسنة، فإنها تشتت القلب، وتشغله، وتريد زيادة فى النفقة، وربما لم يكن‏.‏وقد قال مالك بن دينار، يعمد أحدهم فيتزوج ديباجة الحي فتقول‏:‏ أريد مرطاً‏(4) فتمرط دينه‏.‏
    السادس‏:‏ المال‏:‏ وهو ضروري في المعيشة، فالزاهد يقتصر منه على ما يدفع به الوقت، وكان في الصالحين من يتشاغل بالتجارة ويقصد بها العفاف‏.‏وكان حماد بن سلمة إذا فتح حانوته وكسب حبتين، قام‏.‏وكان سعيد بن المسيب يتجر في الزيت، وخلف أربعمائة دينار، وقال‏:‏ إنما تركتها لأصون بها عرضي وديني‏.‏
    السابع‏:‏ الجاه، ولابد للإنسان من جاه حتى في قلب خادمه، واشتغال الزاهد بالزهد يمهد له الجاه في القلب، فينبغي أن يتحرز من شر ذلك‏.‏وفى الجملة فإن الحوائج الضرورية ليست من الدنيا، وكان كثير من السلف يعرض لهم بالمال الحلال، فيقولون ‏:‏ لا نأخذه، نخاف أن يفسد علينا ديننا‏.‏
    ـ فصل في بيان علامات الزهد
    وقد تظن أن تارك المال زاهد، وليس كذلك، فإن ترك المال، وإظهار التخشن، سهل على من أحب المدح بالزهد، فكم من راهب قد لازم الدير، وقلل المطعم،وقواه على ذلك حسب المحمدة، كما سبق ذكره في كتاب الرياء‏.‏
    ولابد من الزهد في فضول الأموال والجاه جميعاً، حتى يكمل الزهد في حظوظ النفس، فأول معرفة الزهد مشكل‏.‏وقد قال ابن المبارك ‏:‏ أفضل الزهد إخفاء الزهد، وينبغى أن يعول في هذا على ثلاث علامات
    الأولى ‏:‏ أن لا يفرح بموجود، ولا يحزن بمفقود، كما قال تعالى ‏{‏لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم‏}‏ ‏[‏الحديد ‏:‏ 23‏]‏ وهذا علامة الزهد في المال‏.‏
    الثاني‏:‏ أن يستوي عنده ذامه ومادحه، وهذه علامة الزهد في الجاه‏.‏
    الثالث‏:‏ أن يكون أنسه بالله، والغالب على قلبه حلاوة الطاعة‏.‏فأما محبة الدنيا ومحبة الله تعالى، فهما في القلب كالماء والهواء في القدح، إذا دخل الماء خرج الهواء، فلا يجتمعان‏.‏قيل لبعضهم‏:‏ إلام أفضى بهم الزهد‏؟‏ قال‏:‏ إلى الأنس بالله‏.‏قال يحيى بن معاذ‏:‏ الدنيا كالعروس، ومن يطلبها ماشطتها و(5)‏الزاهد يسخم ‏(6)وجهها، وينتف شعرها، ويخرق ثوبها، والعارف مشتغل بالله تعالى عنها‏.‏فهذا الإمام أردنا ذكره من حقيقة الزهد وحكامه‏.‏
    وإذا كان الزهد لا يتم إلا بالتوكل فلنشرع في بيانه إن شاء الله تعالى‏.‏

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين 20 نوفمبر - 22:46